لم تعد التقنية المالية مجرد تطبيقات للدفع أو الإقراض، بل أصبحت نظامًا ماليًا ذكيًا يعتمد على الخوارزميات ويتعلم من سلوك المستخدمين ويتنبأ بالقرارات المالية قبل حدوثها. تقرير لوكالة «بلومبرغ» يؤكد أن شركات التقنية المالية حول العالم تبحث اليوم عن “دفعة من الذكاء الاصطناعي” لتجاوز تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التوسع، فيما يرى المستثمر سيث روزنبرغ من Greylock Partners أن الجيل القادم من شركات التقنية المالية سيكون مدعومًا بخوارزميات تتخذ القرار المالي في الوقت الفعلي.
الاستثمارات تتجه نحو الشركات الأكثر نضجًا
بحسب منصة Crunchbase، بلغت الاستثمارات العالمية في شركات التقنية المالية خلال النصف الأول من 2025 نحو 31.6 مليار دولار، بزيادة 17.5% عن الفترة نفسها من 2024. ورغم انخفاض عدد الصفقات، ارتفعت قيمة التمويلات، ما يشير إلى تركّز الاستثمار في الشركات الأكثر نضجًا، خصوصًا تلك التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر، مكافحة الاحتيال، وتحليل البيانات السلوكية.
الفائزون الكبار يستحوذون على المشهد
وفقًا لتقرير Boston Consulting Group (BCG)، برزت فئة «الشركات المتوسّعة في التقنية المالية» التي تتجاوز إيراداتها السنوية 500 مليون دولار وتشكل اليوم أكثر من 60% من إيرادات القطاع عالميًا. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال التقنية المالية تمثل فقط 3% من إيرادات البنوك وشركات التأمين عالميًا، ما يوضح حجم الفرصة المتبقية للنمو، خاصة مع دخول مفاهيم مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والذكاء العامل (Agentic AI).
السعودية: بنية مالية رقمية متقدمة
في السعودية، يتماشى هذا التحول مع مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي؛ إذ بلغ إجمالي عدد شركات التقنية المالية نحو 261 شركة بنهاية 2024. كما أعلن البنك المركزي السعودي أن المدفوعات الإلكترونية تمثل 79% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد، ما يعكس تقدّم البنية التحتية المالية وتراجع الاعتماد على النقد. في الوقت نفسه، بدأت شركات مثل تمارا وتابي في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين القرارات الائتمانية وخفض معدلات التعثر.
الحوكمة: التحدي القادم
مع كل هذه التحولات، لا يكمن التحدي فقط في تبنّي التقنية، بل في كيفية حوكمتها؛ أي ضمان استخدامها بشفافية، خلوّها من التحيّز، واستمرارها تحت رقابة تنظيمية تحافظ على استقرار النظام المالي وثقة المستخدمين.
المال في عصر الذكاء الاصطناعي
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع التقنية المالية فقط، بل يعيد تعريف معنى المال نفسه؛ من مجرد عملية دفع إلى نظام ذكي يفهم، يحلل ويتوقع. ومن يستثمر في هذا التحول اليوم، لن يكون مجرد مستخدم للمستقبل… بل سيكون جزءًا من صناعته.
