في تحول لافت ضمن مسار رؤية السعودية 2030، تتجه المملكة لإعادة هيكلة إنفاقها الاستثماري بعيدا عن المشاريع العمرانية الضخمة مثل نيوم، نحو مجالات أكثر ارتباطا بالاقتصاد المستقبلي مثل الذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية، والتصنيع المتقدم.
ووفقا لوكالة “بلومبرج” الأمريكية، يأتي التحول وسط ضغوط مالية نتيجة انخفاض أسعار النفط، وحرص الحكومة على تحقيق عوائد أسرع وأكثر استدامة.
فبعد أن تصدرت نيوم المشهد كأحد أكبر المشاريع العمرانية في العالم، تشير بيانات حديثة إلى تباطؤ وتيرة تنفيذها وتراجع حجم العقود الممنوحة لها إلى أقل من 1% من إجمالي مشاريع البنية التحتية العملاقة في 2025، مقابل تسارع الإنفاق على مشاريع أخرى أكثر مردودا اقتصاديا.
“نيوم” تتراجع من الواجهة.. والحكومة تراجع أولوياتها
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لوكالة بلومبر، لم تتضمن بيانات ما قبل ميزانية عام 2026 أي إشارة إلى مشروع نيوم، بعد ثلاث سنوات متتالية من حضوره في الخطط المالية السعودية، ما يعكس توجها رسميا لإعادة تقييم أهداف المشروع في ظل المتغيرات الاقتصادية.
كما تباطأت أعمال مشروع “ذا لاين”، وهو أحد أكثر عناصر نيوم طموحا، بينما واجهت مشاريع أخرى مثل منتجع تروجينا للتزلج وجزيرة سندالة الفاخرة تأخيرات ملحوظة في التنفيذ.
وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان مؤخرا في واشنطن: “إذا كان أي مشروع أو استراتيجية لا تحقق الجدوى المطلوبة، فلن نتردد في إيقافها أو تعديلها.”
تركيز على الذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة
وفي المقابل، تستعد الحكومة السعودية لتوجيه مليارات الدولارات إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي، والطيران، والتقنيات المتقدمة، مع بروز شركات وطنية مثل “هيومان” (Humain) و”ألات” (Alat) كركائز جديدة في خطة التحول الاقتصادي.
وقد كشفت تقارير عن مفاوضات بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي وكل من “بلاكستون” و“بلاك روك” لضخ استثمارات ضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس ثقة الأسواق العالمية بقدرة المملكة على قيادة هذا التحول.
ويتوقع أن يشهد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) المقبل في الرياض إعلانات كبرى تتعلق بهذه القطاعات، خصوصًا وأنها تمثل فرصة للشراكة بين السعودية وكبرى المؤسسات المالية العالمية.
إنفاق أكثر تركيزا وعوائد أسرع
كما أشارت بيانات MEED Projects إلى أن حجم العقود الممنوحة لمشاريع “الجيجا” السعودية تراجع بشكل ملحوظ منذ ذروة 2023، ما يفتح الباب أمام إعادة توزيع الموارد نحو مشاريع ذات عوائد مالية أسرع، مثل الإسكان والمكاتب في الرياض، والتحضيرات لاستضافة معرض إكسبو 2030.
ويرى الخبراء أن هذه التغييرات تعكس نضجا في إدارة الاستثمار الحكومي، إذ قالت آثيرا براساد، مديرة الاقتصاد الكلي في مؤسسة ناصر السعيدي وشركاه: “ما تفعله السعودية الآن رسالة إيجابية للمستثمرين، فهي لا توقف الاستثمارات بل تعيد توجيهها نحو قطاعات تحقق نتائج أسرع وعوائد مباشرة.”
الاقتصاد السعودي في مرحلة توازن جديدة
يؤكد المحللون أن التحول الجاري لا يعني تراجع الطموحات الكبرى لرؤية 2030، بل تكييفها مع الواقع الاقتصادي العالمي. فبعد سنوات من التركيز على مشاريع البناء العملاقة، تتجه السعودية إلى اقتصاد معرفي يعزز الإنتاجية والتنوع.
ويقول فاروق سوسة، كبير الاقتصاديين في بنك جولدمان ساكس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “التحديات الحالية في المشهد الإقليمي والعالمي ليست دائمة”.
وأضاف: “مع مرور الوقت، ستعود وتيرة الاستثمارات السعودية للارتفاع مجددا، ولكن وفق أولويات أكثر دقة واستدامة.”
